New Page 3

مرحبا بكم في موقع المشرف التربوي محمود طافش الشقيرات .
 

New Page 3
 Free counters!
 
ما رأيك بالمظهر الجديد للموقع ؟
1. ممتاز
2. مقبول
3. جيد
4. جيد جدا
مجموع الردود: 22
    
 

بر الوالدين


برُّ الوالدين

 د. محمود طافش الشيرات

   بر الوالدين من الممارسات الإنسانية الرائعة التي أولاها الدين الإسلامي عناية فائقة ؛ وذلك لمكانتها السامية بين مكارم الأخلاق ، ولما لها من ثواب عظيم عند الله سبحانه وتعالى ، وفي مقابل ذلك فإنه يترتب على التفريط فيها وتجاهلها عقوبات مؤلمة ومدمرة ؛ إذ إن عقوق الوالدين يعد من كبائر الذنوب . فما المقصود ببر الوالدين ؟ ولماذا يهتم به الإسلام كل هذا الاهتمام الكبير ؟

    البر في اللغة هو خير الدنيا والآخرة ؛ فخير الدنيا ما ييسره الله للإنسان من الهدى والنعمة والخيرات ، وخيرالاخرة هو الفوز العظيم  بالنعيم المقيم في الجنة . ولهذه الكلمة المباركة العديد من المعاني السامية الأخرى  ؛ فهي : التقى ، والصلاح ، والطاعة ، والصدق ، وقد سميت ماء زمزم (برّة ) لكثرة منافعها وسعة مائها .(1) ومن هنا فقد جاءت إضافة الوالدين إلى هذه الكلمة المباركة لعلو شأنهما ، حيث إن مفهومها يبرز كل هذا الخير العميم والفياض الذي يجنيه الأبناء البارون بآبائهم وأمهاتهم .

   وقد جعل الإسلام للوالدين على الأبناء حقوقا عظيمة لا يمكن لهم الوفاء بها كاملة مهما فعلوا ، فكم سهرا ليناموا ، وكم تعبا ليوفرا لهم متطلبات حياتهم المادية ، وليشبعا حاجاتهم النفسية ، لذلك فقد حرص الإسلام على تكريمهما ، وأعلى منزلتهما لدرجة أن جعل الله سبحانه وتعالى اسمهما مقرونا باسمه فقال جل شأنه :  "وقضى ربك إلاَّ تعبدوا إلاّ أيَّاه وبالوالدين إحساناً"(2). وفي موضع آخر أكد سبحانه وتعالى على أهمية الإحسان إليهما بقوله : " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ." ( 3 ) كما جعل شكرهما مرتبطا بشكره في قوله جل شأنه : " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن أن أشكر لي ولوالديك إليّ المصير ."( 4) وهذه الآيات البينالت وغيرها تدل على المكانة العالية التي يتبأها الوالدان عند الله الحكيم العليم .

    كما أكد رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم على المنزلة العظيمة لبر الوالدين ؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله   صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : " الصلاة على وقتها . قلت : ثم أي؟ قال ، بر الوالدين .قلت ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله . (5) ومن هنا جاء تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على أن (الجنة تحت أقدام الأمهات من شئن أدخلن و من شئن أخرجن ) (6)  بل إنه – عليه الصلاة السلام – قد جعل بر الوالدين مقدما على الجهاد في سبيل الله ؛ عن عبد الله بن عمر بن العاص قال :  أقبل رجل إلى رسول الله   صلى الله عليه وسلم  فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى . قال : فهل من والديك أحد حيّ؟ قال : نعم بل كلاهما حيّ . قال : فتبتغي الأجر من الله ؟ قال : نعم . قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ." ( 7)

  وهكذا فإن لبرالوالدين قيمة عظمى في الإسلام ، وتأمل معي هذا الحديث النبوي الشريف  لتدرك مدى عظمة الأجر الذي يفوز به الابن البار بوالديه ؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه .قال : هل بقي من والديك أحد حيّ ؟ قال : أمي . قال : قابل الله في برها ، فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد ." (8) فطوبى للبارين بوالديهم ، وهنيئا لهم هذه المنزلة السامية عند الله الكريم .

    كما أوصى النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بالإحسان إلى الوالدين  ، ومن أنصع الأمثلة على ذلك ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم ، وقال له : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال  "أمك". قال: ثم من؟ قال "أمك". قال: ثمّ من؟ قال: "أمك". قال: ثمّ من؟ قال :" ثم أبوك".(9)  ودور الأب لا يقل أهمية عن دور الأم ، بل إنه يتكامل معه ويتمه ، فإنه هو الذي يتجشم االمخاطر ويركب الصعاب ليوفّر لأبنائه كل ما يحتاجون إليه من مطعم وملبس وتعليم ورعاية صحية وحماية ، ومن هنا فإن الأبناء مطالبون بتوقيره  واحترامه إكراما له واعترافا بفضله ،  وأما هذه العناية الخاصة بالأم فلأنها أكثر حاجة للرعاية من الأب بسبب طبيعتها ، ولما كابدته من آلام الحمل والمخاض والسهر ..

     ولبر الوالدين فضائل جليله وفوائد عظيمه شأنه في ذلك شأن صلة الرحم ، ومن أبرز هذه الفضائل والفوائد أنه :

- يطيل عمر الابن البار ؛ عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره " . (10)   وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال :  قال رسول  الله صلى الله عليه وسلم  : " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر " (11)  

- يزيد في الرزق ؛ عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " من سرّه أن يمد له في عمره ، ويزاد في رزقه فليبر والديه ، وليصل رحمه ."(12)

- سبب لبر الأبناء للأباء عندما يكبرون ، و كل واحد منا يحب أن يبره أولاده عندما يكبر ، وها هو رسول الله - عليه أفضل الصلاة والسلام - يوضح لنا السبيل إلى ذلك ؛ عن علي بن الحسين قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ، وعفوا تعف نساؤكم " (13) وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :" عفوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ، ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك محقا كان أم مبطلا ، فإن لم يفعل لم يرد عليّ الحوض ."(14)

– تكفير الذنوب ؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم  رجل فقال :إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة ؟ قال : هل لك من أم ؟ قال : لا .قال : هل لك من خالة ؟ قال : نعم . قال : فبرها ." (15)

- سبب لدخول الجنة ، وهذا الفوز العظيم يؤكده الحديث النبوي الشريف الذي روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة ، قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) (16)  . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه . قيل من يا رسول الله ؟ قال : من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة أو لا يدخلانه الجنة "(17)  

-       سبب النجاة من عذاب النار ؛

  عن أبي هريرة رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر فقال : " آمين آمين آمين قيل:  يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت : آمين آمين آمين . فقال : إن جبريل عليه السلام أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت :  آمين ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل:  آمين فقلت آمين ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل :  آمين فقلت : آمين ."(18)

 

 

-         تفريج الكرب ؛ وبر الوالدين عمل صالح يزيل الهم ويفرج الكرب ؛ فترتاح النفس وتطمئن إلى رعاية الله للولد البار ؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر ، فمالوا إلى غار في الجبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة ، فادعوا الله بها لعله يفرجها . فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي صبية صغار ، كنت أرعى عليهم ، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي ، وإنه نأى بي الشجر يوما ، فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما ، فحلبت كما كنت أحلب ، فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما ، أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما ، والصبية يتضاغون عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء . ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء . وقال الثاني : اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فطلبت إليها نفسها ، فأبت حتى آتيها بمائة دينار ، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه . فقمت عنها ، اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها . ففرج لهم فرجة . وقال الآخر : اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها ، فجاءني فقال : اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي ، فقلت : اذهب إلى تلك البقر وراعيها ، فقال : اتق الله ولا تهزأ بي ، فقلت : إني لا أهزأ بك ، فخذ تلك البقر وراعيها ، فأخذه فانطلق بها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج ما بقي . ففرج الله عنهم (19)

       ومن أنماط  بر الوالدين الأخرى التي حث عليها الإسلام :

- فعل الخير لهما ، بالإنفاق عليهما ،  والعمل على إشباع حاجاتهما المادية والمعنوية .

-       حسن الصحبة ، والخضوع لهما بالقول اللين ، وعدم رفع الصوت أثناء التحدث معهما .

-       احترامهما وتعظيهما والحرص على رضاهما .

     وبرَّ الوالدين  لا يقتصر على حياتهما ، بل إننا مطالبون بالإحسان إليهما بعد مماتهما؛ 

عن أبي أسيد الأنصاري مالك بن ربيعه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال :"  نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما " (20)

     وفي حياة السلف الصالح أمثلة عديدة على ذلك ؛ منها : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ؛ أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة . فسلم عليه عبدالله . وحمله على حمار كان يركبه . وأعطاه عمامة كانت على رأسه . فقال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله ! إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير . فقال عبدالله : إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه " . (21) ومثال آخر : وعن أبي بردة ، قال : قدمت المدينة ، فأتاني عبد الله بن عمر ، فقال : أتدري لم أتيتك ؟ قال : قلت : لا . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب أن يصل أباه في قبره ، فليصل إخوان أبيه بعده ، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء ود ، فأحببت أن أصل ذاك "(22)  

  ومن المسلمين الذين وفّقهم الله لجني ثمار بر الوالدين أويس بن عامر القرني ؛ عن أسير بن جابر قال :  "  كان عمر بن الخطاب ، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن ، سألهم : أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس . فقال : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم . قال : من مراد ثم من قرن ؟ قال : نعم . قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم ؟ قال : نعم . قال : لك والدة ؟ قال : نعم . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ، ثم من قرن . كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم . له والدة هو بها بر . لو أقسم على الله لأبره . فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " . فاستغفر لي . فاستغفر له . فقال له عمر : أين تريد ؟ قال : الكوفة . قال : ألا أكتب لك إلى عاملها ؟ قال : أكون في غبراء الناس أحب إلي . قال : فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم . فوافق عمر . فسأله عن أويس . قال : تركته رث البيت قليل المتاع . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن . كان به برص فبرأ منه . إلا موضع درهم . له والدة هو بها بر . لو أقسم على الله لأبره . فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " فأتى أويسا فقال :استغفر لي . قال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح . فاستغفر لي . قال : استغفر لي . فاستغفر لي . قال : لقيت عمر ؟ قال : نعم . فاستغفر له . ففطن له الناس . فانطلق على وجهه . قال أسير : وكسوته بردة . فكان كلما رآه إنسان قال : من أين لأويس هذه البردة ؟ (23)

   وهذه قصة أخرى تنم روعة البر ، وعن مدى حاجة الوالدين لأولادهما عند الكبر : كان أمية  الكناني رجلاً من سادات قومه وكان له ابن يسمى كلابا ... هاجر هذا الشاب المسلم  إلى المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه, فأقام بها مدة ، ثم لقي ذات يوم بعض الصحابة ، فسألهم أي الأعمال أفضل في الإسلام؟

 فقالوا: 'الجهاد في سبيل الله .

   فذهب إلى عمر متطوعا  يريد الغزو في سبيل الله , فأرسله عمر رضي الله عنه إلى جيش المسلمين في بلاد الفرس ، فلما علم أبوه بذلك تعلق به وقال له: 'لا تدع أباك وأمك الشيخين الضعيفين, ربياك صغيراً، حتى إذا احتاجا إليك تركتهما .
 
فقال: أترككما لما هو خير لي .. ثم إنه خرج غازياً بعد أن أرضى أباه، فأبطأ في الغزووتأخر .
  وكان أبوه وأمه يجلسان يوماً ما في ظل نخلة لهم ، وإذا حمامة تدعو فرخها الصغير ، وتلهو معه وتروح وتجئ، فرآها الشيخ فبكى ، فرأته العجوز يبكي فبكت . ثم أصاب الشيخ ضعف في بصره، فلما تأخر ولده كثيراً ذهب إلى عمر رضي الله عنه ودخل عليه المسجد وقال له :

-  والله يا ابن الخطاب لئن لم ترد عليّ ولدي لأدعون عليك في عرفات'،
     
فكتب عمر رضي الله عنه إلى قائد جيوشه  ليرد ولده إليه، فلما قدم ، ودخل عليه
 
قال له عمر: ما بلغ برك بأبيك يا كلاب ؟
 
قال كلاب: 'كنت أُفضله وأكفيه أمره, وكنت إن أردت أن أحلب له لبناً أجيء إلى أغزر ناقة في أبله فأريحها ، وأتركها حتى تستقر ، ثم أغسل أخلافها - أي ضروعها- حتى تبرد ثم أحلب له فأسقيه
    
فبعث عمر إلى أبيه فجاء الرجل فدخل على عمر رضي الله عنه وهو يتهاوى من الوهن ، وقد ضعف بصره وانحنى ظهره .

قال له 'عمر' رضي الله عنه: 'كيف أنت يا أبا كلاب؟'
 
قال: 'كما ترى يا أمير المؤمنين'
 
فقال: 'ما أحب الأشياء إليك اليوم ؟
قال: 'ما أحب اليوم شيئاً، ما أفرح بخير ولا يسوءني شر'
 
فقال عمر:  فلا شيء آخر'
 
قال: 'بلى, أحب أن كلاباً ولدي عندي فأشمه شمة وأضمه ضمة قبل أن أموت'
فبكى رضي الله عنه وقال: 'ستبلغ ما تحب إن شاء الله'.

   
ثم أمر كلاباً أن يخرج ، ويحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ، ويبعث بلبنها إليه ،  فقام ففعل ذلك ، ثم جاء وناول الإناء إلى عمر فأخذه رضي الله عنه وقال:

-       أشرب يا أبا كلاب .... فلما تناول الإناء ليشرب وقربه من فمه  قال:

-        'والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب'
   فبكى عمر رضي الله عنه وقال:

-        'هذا كلاب عندك .. وقد جئناك به، فوثب إلى ابنه وهو يضمه ويعانقه ، وهو يبكي ... فجعل عمر رضي الله عنه والحاضرون يبكون  .
 
ثم قال عمر:

-        ' يا بنيّ ... الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا ، ثم اعتنى بشأن نفسك بعدهما.

    ولقد حدد الله سبحانه وتعالى للابن معالم طاعته لوالديه ، وذلك عندما قرن عبادته وتوحيده وتنزيهه عن الشرك بالإحسان إليهما والطاعة لهما، وقد جعل رضاه من رضاهما، ووصل طاعته بطاعتهما فقال عزَّ من قائل: "واخفض لهما جناح الذلّ من  الرحمة".(24)

    وكما أن لبر الوالدين أجرا عظيما فإن لعقوقهما عذابا وخيما ، لذلك فقد نهى الإسلام عنه ، وعدّه من كبائر الذنوب التي توجب دخول الابن العاق النار ، وأكد على أن العقوق من الأخلاق المذمومة التي لا تليق بالأبناء الأوفياء  ؛ ولذلك فقد حذّر الإسلام الحنيف من العقوق بكافة صوره وأشكاله ؛ وذلك بسبب عواقبه المدمرة والخطيرة ، فقال جلّ شأنه ناهيا عن العقوق وناصحا بالبر : "إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما"(25). وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرمته ؛ عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأكبر الكبائر . قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين . وكان متكئا فجلس ، فقال : ألا وقول الزور . فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت . (26)

     ومن أجل التأكيد على فضل هذه الصلة  فقد جعل الله سبحانه وتعالى بر الوالدين أفضل من كثير من العبادات ؛ عن السبكي قال صلى الله عليه وسلم: "بر الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله".(27)  لكنّ طاعة الوالدين لا تكون إلا بما يرضي الله ،  فقد بيَّن سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الحد الذي تقف عنده طاعة الوالدين ، وأن هذه الطاعة لا تكون مقبوله إذا كانت تدعو للشرك ولمعصية أوامر الله ؛ قال العليم الحكيم : "وإنّ جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً"(28).  وطاعة الوالدين واجبه في كل شيء دون ذلك ، و سواء كان الوالدان مؤمنين أم مشركين ، وأنذاك يكون المرجع هو قول النبي  صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".(29)  ويظل أمر الله قائما وهو مصاحبتهما بمعروف . وهذا الأمر واضح ومؤكد في قوله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) (30)  وقال جل ذكره : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا " (31)

    ولنتأمل معا هذه القصة فلعل فيها عبرة : ) في بيت من بيوت المسلمين كانت تعيش أسرة  تتألف من ثلاثة اطفال وأمهم ، وأما الأب  فكان يخرج  كل يوم للعمل ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل  ،  وكان والد الأم يعيش في كوخ صغيرقرب البيت وكأنه منبوذ ... أعطت الأم لأبنائها أوراقا وأقلاما ملونه ؛ ليرسموا عليها ما يخطر لهم ، ثم ذهبت لتوصيل  الطعام الى والدها المريض في الكوخ ،  وبعد أن رجعت من الكوخ لفت نظرها  ابنها الأصغر وهو منهمك في الرسم ، فاقتربت منه لترى ماذا رسم ،  فوجدته قد رسم مربعات متشابكة فأقتربت منه وسألته بتعجب :

- ما هذا  الذي رسمته يا حبيبي ؟؟

   قال لها الطفل الصغير ببراءة : هذا بيتي عندما أكبر !! فابتسمت الأم عندما رأت مربعاً  صغيرا معزولاً وتعجبت ، فسألته : وما هذا ؟؟؟

أجاب :  هذا كوخ  سأضعك فيه عندما تكبرين  كما تضعين جدي في الكوخ ؟؟!!

   فانهارت الأم من شدة الصدمة ، وجلست تبكي من هول ما سمعته من ابنها الصغير، وهي تفكر فيما عساها تفعل .( 32 ) وقصص أخرى عديدة توضح لك أيها الابن أنه كما تعامل والديك فإن أبناءك سيعاملونك . فاحذر أن تكون عاقا ؛ فإنه كما تدين تدان . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والديوث والمرأة المترجلة تشبه بالرجال ، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمنان عطاءه ومدمن الخمر" (33)

  وليحذر الولد العاق وليعلم أن الله سبحانه وتعالى يعجل بعقوبة الأبناء العاقين في الحياة الدنيا قبل الممات ؛ وهذا التحذير واضح في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " كل الذنوب يؤخر الله منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات " (34) وفي رواية أخرى  عن أنس بن مالك  رضي الله عنه " بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق"  (35)  ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم العقوق من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله عز وجل : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس " (36)

 

    ومن العقوبات التي يعجل بها الله للأبناء لعاقين :
أولا: لا ينظر الله إلى عاق والديه: عن أبي هريرة  رضى الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ؛ العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان بما أعطى "(37)  

ثانيا: عاق والديه لا يدخل الجنة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر الخبث في أهله" (38) 

ثالثا: لا يقبل الله من العاق عملا ؛ عن ثوبان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشراك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف " (39)

0
وهكذا يتبين لنا من الأحاديث الشريفة السالفة الذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل قبول الأعمال  مرتهنا ببر الوالدين0

   ومن الحقوق الأخرى التي أثبتتها الشريعة الإسلامية للوالدين  :

1- الدعاء لهما : ويبدو هذا الأمر واضحا في أكثر من موضع في كتاب الله ؛ من ذلك قول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه نوحٍ عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قال : "ربّ اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً"(40). وعلى لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام حين توسل إلى ربه بقوله : "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين"(41).وفي الحديث الشريف ؛ عن أبي أسيد الأنصاري مالك بن ربيعه ؛ قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما " (42)

2 - الوصية لهما ؛ وذلك تنفيذا لقول الله سبحانه وتعالى : "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين"(43).

3 – عدم التسبب في الإساءة إليهما ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من الكبائر شتم الرجل والديه ) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه "(44)


4 – الفوز برضا الله سبحانه وتعالى ؛ عن عن عبد الله بن عمرو بن العاص  رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسـلم ( رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب  في سخط الوالد  )
(45 )  

 

    وهناك  أنواع أخرى عديدة من بر الوالدين أشار إليها الغزالي بقوله : " ومن آداب الولد مع والده : أن يسمع كلامه , ويقوم بقيامه , ويمتثل أمره , ولا يمشي أمامه , ولا يرفع صوته , ويلبي دعوته , ويحرص على طلب مرضاته , ويخفض له جناحه بالصبر , ولا يمن عليه بالبر إليه , ولا بالقيام بأمره , ولا ينظر إليه شزراً , ولا يقطب وجهه في وجهه ."  ورأى أبو هريرة رضي الله عنه رجلا يمشي خلف رجل فقال من هذا ؟ قال أبي . فقال له  : لا تدعه باسمه ، ولا تجلس قبله ، ولا تمش أمامه .وكان ذو النون يقول : ثلاثة من أعلام البر ؛ بر الوالدين بحسن الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال ، وبر الأبناء بحسن التأديب لهم والدلالة على الخير ، وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة .

  وبعد فهذا غيض من فيض الأخلاق الحميدة التي يدعو إليها الإسلام ؛ ليجعلنا بها خير أمة أُخرجت للناس ، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونصل أرحامنا ، ونبر والدينا وأبناءنا وجميع الناس من حولنا ، وليمهد لنا الطريق المؤدي إلى الفردوس الأعلى إن شاء  .

                                              

الفئة: مقالات اسلامية | الكاتب: محمود طافش الشقيرات E W
مشاهده: 483 | تعليقات: 1 | التقييم: 0 | قيّم المقالة: | عدد التعليقات : 1 | كتابة تعليق
 
1 كاامل السعيد   (2014-05-10 7:22 PM)
جزاك الله خيرا

الاسم *:
Email:
كود *:
Untitled 4

دخول المدراء استضافة مجانية - uCoz