New Page 3

مرحبا بكم في موقع المشرف التربوي محمود طافش الشقيرات .
 

New Page 3
 Free counters!
 
ما رأيك بالمظهر الجديد للموقع ؟
1. ممتاز
2. مقبول
3. جيد
4. جيد جدا
مجموع الردود: 22
    
 

السيف والزهرة

قراءة في المجموعة القصصية :

 

السيف والزهرة            تأليف : علي أبو الريش ( الإمارات )

 

محمود طافش الشقيرات

 

     صدرت رواية السيف والزهرة ، قبل بضعة أشهر عن مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع في أبو ظبي، وتقع في 158 صفحة من الحجم الصغير . وهي العمل الروائي الثاني للكاتب الاماراتي الشاب علي أبو الريش بعد روايته الأولى " الاعتراف " والتي صدرت في النصف الثاني من عام 1982م .

     والرواية الجديدة تبرز الاخطار الناجمة عن تدفق الأيدي العاملة الأجنبية إلى البلاد وما يمكن أن يترتب على ذلك من أضرار تلحق بالمجتمع ، وفي الرواية دعوة للاعتماد على النفس ، والتمسك بالأرض . وفيها أيضا دعوة للأخذ بأسباب القوة لأنها الوسيلة إلى العزة والكرامة  ولنبذ التخاذل ؛ لأنه السبيل إلى السقوط والاندثار .

     تبرز في الرواية شخصيتان رئيستان هما ، شخصية الأب وما تمثله من أصالة وانتماء إلى الأرض  واعتماد على النفس وشخصية الابن وتمثل الجيل الجديد وتطلعه إلى الحياة السهلة  واعتماده على الآخرين .

     الابن ، اسمه " سلطان " طالب في المرحلة الثانوية ، وهو شاب ضعيف  حائر  متردد ، يؤثر حياة الدعة  ويكره المواجهة . أما أبوه " خلفان " فهو رجل قوي المراس ، يقدس العمل ، دائم الاعتماد على النفس ، يتفجر تصميما وايمانا بربه وبوطنه ، ويكد لتحصيل رزق عياله من البحر الذي أحبه  وأفنى فيه حياته . ويظل الرجل يجاهد في سبيل لقمة العيش حتى يتوفاه الله ، فيهجر ابنه البحر والقارب ويتجه إلى الحياة السهلة ، ويحصل على وظيفة بمساعدة صديق قديم لوالده ، ويعين بوظيفة مدير في مكتب لاصدار تصاريح عمل للعناصر الغريبة الوافدة ، ويظل الشاب في صراع مع نفسه  حائرا ، مترددا  حتى النهاية .

     والرواية بوجه عام حافلة بالمواقف الايجابية التي تستحق التنويه ولا تخلو من ثغرات فنية ولغوية . أما الجوانب المشرقة فتبرز في مجالين رئيسيين ؟ المجال الأول هو مضمونها الملتزم . وأما المجال الثاني فهو محاولة الكاتب الاستعانة بمبادئ علم النفس التربوي في بناء شخصياته ، وأخص بالذكر شخصية " سلطان " بطل الرواية ، وهذا الجانب هو الذي سأقتصر على مناقشته في هذه العجالة .

     في الفصول الأولى يقدم لنا الكاتب بطله " سلطان " انسانا ممزق الشخصية  مرعوباً  تائها  حائرا  مستسلما  ضعيف العزيمة ، لا يقوى على عمل شيء ذي بال ، وفي الفصول التالية يعلل لنا الحالة  مسترشدا بمبادئ علم النفس فيحدد العوامل التي تسببت في تحطيم شخصيته . ومن أبرز هذه العوامل ، جهل الأم التي زرعت في ذهن صغيرها بذور الأوهام والخرافات فشب والرعب يملأ نفسه . يقول الكاتب ص 35 :

     " تذكر سلطان .. أمي كانت تجلسني في حضنها ، وتحذرني من أبناء الحارة ، تصف بعضهم بالشر  والبعض الآخر بالخير .. خشيت مجالسة الناس ، صرت أخاف من الآدميين كما أخاف البحر والغرق . كانت تقول لي : بعض الناس مثل الحيتان والتماسيح  تأكل البشر ، تفتك بالصغار والكبار ، فخشيت وكبر معي الخوف " .

     وفي موضع آخر يقول ص 39 :

" تذكر .. كانت تخوفني أمي من العفاريت ، ولكنني لم أرهم قط ، ها هم بدأوا يزحفون تجاهنا ، يرتدون ثيابا مختلفة ، ويتشكلون بأصناف متنوعة " .

     وأما العامل الثاني الذي تسبب في تحطيم نفسية الشاب فهو مدرس الفصل وضربه المستمر له ، الأمر الذي أورثه الجبن والخنوع ، وهذه حقيقة تربوية أثبتتها الدراسات والتجارب المتكررة في العصر الحديث . يقول ص 35 :

" تذكر سلطان .. المدرس في الفصل كان يقف أمام السبورة وبيده عصا غليظة يلوح بها ، يلطم هذا ، ويصفع ذاك .... في ذات مرة كنت منشغلا في تهذيب قميصي أثناء شرح المدرس للدرس ، لم أنتبه إلا وضربة عنيفة تنهال على رأسي ، شعرت بالفزع ، طار قلبي من موضعه ، ارتعشت أطرافي ... "  .

وفي موضع آخر  يقول ص 40 :

" .. هل هم مثل مدرس الفصل يخيفون الناس ، أم أنهم على شاكلة أخرى ؟ سرى الخوف في عظامه حتى القاع ، تغلغل كنصل حاد تغرسه في جسده يد غليظة .. " .

     وعندما يموت أبوه ، يشعر سلطان بالحزن يغمر قلبه ، وينظر إلى الأمور من خلال نفسه ، فيرى كل شيء حوله حزينا ، وكأن الطبيعة تشاركه آلامه وأحزانه . يقول ص 71 :

 " لست وحدي كئيبا ، العالم يتنفس ويخرج آهات حائرة ... القارب يتيم مثلي ، البحر يتيم مثلي ، الشبك ، السمك ، الهواء ، الفضاء ، الشمس .. كل الأشياء تشكو الوحدة ، وتنعي أبي .

     ولأنه واهن العزم ، فهو لم يقو على احتمال الواقع الذي أصبح يواجهه بفقدان أبيه ، ولم يستطع تحمل المسؤولية ، فكان العبء فوق طاقته . يقول ص 72 :

" أبي رحل عن دنيانا . وخلف حزنا أثقل من الجبل الشاهق ، وورث الدنيا ألماً يزيد عن حاجة الملايين من البشر ... " .

     وبعد أن يتأكد من أنه لا مناص لديه من تحمل المسؤولية ، والقيام مقام أبيه في تدبير شؤون الأسرة ، يجد نفسه عاجزا محتارا ، مترددا بين القيام بواجبه وبين نزعته البيروقراطية . وهو لا يدري كيف يواجه نفسه التي تهفو إلى الحياة المكتبية . إنه يكره العمل في البحر ويحتقر صنعة أبيه .. يقول ص 73 :

    " آه كم أنا حائر ... بين حبي لهؤلاء وحبي للمكتب الفاخر . والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : هل سيتغلب سلطان على ضعفه وتردده وينجح في حياته العملية ؟ إن الجواب الذي تمليه طبيعة هذه الشخصية المنهارة هو أنه يجب ان يفشل ، أو على الأقل يتعثر المرة تلو المرة ، ذلك لأن طبيعة تكوينه النفسي لا تؤهله للنجاح ؟ فهل كان هذا هو المسار الذي رسمه له الكاتب ؟

    إن صاحب شخصية بنيت على المعطيات النفسية الآنفة الذكر يحب أن يبكي وينهار ويرتمي بحضن أمه ، ويترك لها زمام الأمور . ولكن الكاتب يتجه بالشخصية اتجاها آخر ، ويعرض عليه خليفة ، صاحب الدكان ، حلا لمشكلته بقبول عمل متواضع كمساعد له في أعمال دكانه .. لكن نفس الصبي التي ألفت الاتكال ، وترنو إلى العيش السهل تتردد في القبول .  يقول ص 76 :

 " لكني أطمع في أن أترك البحر لالتحق في عمل مكتبي .. "

     ويضيف معللا نفسه بالأماني : " أريد أن أصبح صاحب مال ، أقتعد كرسيا مخمليا ، وأصافح يدا ملساء ، وأشبع عيني بالنظر إلى الشقراوات .. أريد أن ينحني إليَّ ذوو الحقائب السوداء ، ويرتعش أمامي السائلون وذوو الحاجة" .

     إن هذا التطلع يتناسب مع طبيعة شخصية سلطان التي تنزع إلى البيروقراطية وهو في نفس الوقت يكشف عن عدم تقديره لجسامة المسؤولية التي أنيطت به بعد وفاة والده .. ولو كان يفكر في أمه وأخوته ، وفي لقمة العيش التي يجب عليه أن يوفرها لهم لما رفض فرصة العمل التي عرضت عليه مهما كانت محدودة .يقول ص76 ، مبرراً رفضه : " لا أريد أن يعطف عليَّ أحد ، ولا أريد أن يمن عليَّ أحد بمال " .

      ويضيف ص77 قائلاً : " أنا مصمم على دخول هذه التجربة ولن أتردد أبداً ... " .

       إن هذا التصميم الذي بدر منه مقبول مادام تصميما نظريا .. وهذه العصامية التي يبديها لا بأس بها ما دامت لم تتعد نطاق التفكير المجرد . لكن القول شيء والتنفيذ شيء آخر . فهل يستطيع الانسان الذي ظل طيلة حياته حائرا مترددا أن يتحرر من تردده وحيرته دفعة واحدة وفي لحظة واحدة . ؟

     ويلجأ سلطان إلى صديق قديم لأبيه ليساعده في إيجاد وظيفة له قبل أن ينهي دراسته الثانوية ، وبدون مقدمات يصدر الصديق القديم قرار يقضي " بتعيين السيد سلطان بن خلفان مديراً لمركز التدقيق والبحث الاجتماعي".

     ويحق للقاريء أن يتساءل : كيف يمكن تعيين إنسان غر في وظيفة مدير مسؤول دون سابق اعداد أو تدريب؟ لقد أغفل الكاتب الحالة التي فطر بطله عليها ، فبدلا من أن يقذف به في أحضان أمه ليندب ضعفه وعجزه وتردده ، جعل منه مدير تدقيق ، وزاد أن جعله ناجحا في عمله .

     ثم لا يلبث أن يجعل من بطله - الذي لا تتعدى ثقافته الثانوية العامة - متحدثا لبقا يتكلم بلسان وفكر فيلسوف ، وهذا تجاوز للحقيقة . يقول ص 131 : " ... سعادة المدير أريد أن أصل معك إلى نقطة هامة وهي أن المواطن الذي اقتنى أجود السيارات ، واسترخى على أفخر الأثاث ، وعاش بين جدران الفيلات الحديثة ، لا يستطيع العودة إلى خشونة الأعمال الشاقة ، وعنفوان الظروف الصعبة ! فنحن في عصر يجعلنا نطمح إلى المزيد من وسائل الراحة طالما توفرت المادة ، وسخت هذه الأرض بعطائها الجزيل " .

    وفي أثناء الحوار الذي يجري بين البطل وبين المدير لا تلمس أي فارق بين ثقافة وطريقة تفكير الاثنين على الرغم من أن المدير يفوق موظفه علما ، ويكبره سنا ، ويتقدم عليه بخبرته الطويلة في مضمار العمل .

    ويظل سلطان رغم نجاحه يشعر بالضيق وعدم الاستقرار ، وهذا شيء طبيعي بالنسبة له " آه العالم يدور ويلف حولي كجسد أفعى رقطاء ، ألوانه زاهية إلى حد الاختناق .. " .

    وفي موضع آخر نقرأ هذا الكلام ص 79 : " لم يعد الآن في داخلي رجلان يتصارعان ، أحدهما مات ... الخوف مات .. وصايا أمي التي كانت تلسعني كعقارب القبور ماتت ، كلمات أبي وتحذيراته التي كانت تنهش جسدي كديدان حفرة منسية ماتت .. لم يبق إلا طموحي .. " .

    أما كيف ماتت ؟ فلم يوضح لنا الكاتب ذلك ، ويبقى الكلام نظريا ، إذ أن هذه الترسبات الفظيعة التي تتراكم في أعماق النفس البشرية ، كنتيجة لظروف ومعطيات قاسية جدا سبقت الاشارة إليها ، لا يمكن أن تذوب بين عشية وضحاها .. إنها تحتاج إلى علاج مركز وطويل الامد ، أما أن يحكم عليها الكاتب بأنها ماتت هكذا وبدون مقدمات ، فهذا في نظري أمر يرفضه  المنطق السليم .

    ومجمل القول ، فإن الكاتب لو ظل محافظا على النجاح النسبي الذي حققه باستخدام علم النفس في بناء هذه الشخصية ، ولو أنه اتبع نفس الأسلوب في بناء بقية الشخصيات  لكان جديرا بأن يسجل سبقا في هذا المضمار .

    ومهما يكن من أمر - ورغم كل العيوب المتعلقة بالشكل والمضمون واللغة - فإنه يكفي الكاتب فخرا أن جاءت روايته شهادة حية وناطقة تصور فترة زمنية عاشها الشعب العربي في الامارات ، وكأني بدعواته  وتحذيراته ستجد آذانا صاغية فيتخلص هذا المجتمع العربي مما يشوبه ، فيحيا كما يريد له الكاتب أن يحيا .

 

الفئة: مقالات أدبية | الكاتب: محمود طافش الشقيرات E W
مشاهده: 306 | التقييم: 0 | قيّم المقالة: | عدد التعليقات : 0 | كتابة تعليق
 
الاسم *:
Email:
كود *:
Untitled 4

دخول المدراء استضافة مجانية - uCoz