New Page 3

مرحبا بكم في موقع المشرف التربوي محمود طافش الشقيرات .
 

New Page 3
 Free counters!
 
ما رأيك بالمظهر الجديد للموقع ؟
1. ممتاز
2. مقبول
3. جيد
4. جيد جدا
مجموع الردود: 22
    
 

القنــــاع

 

القنــــاع

تأليف : إبراهيم سعفان ( مصر )

 

محمود طافش الشقيرات

 

       صدرت في دبي ، المجموعة القصصية الأولى للناقد إبراهيم سعفان . تقع المجموعة في ثلاث و أربعين صفحة من الحجم الصغير ، وتضم تسع قصص هي على التوالي : الببغاء ، حب الله ، القناع ، انفجار ، أنا والطفل والقطة ، لا ... يا صغيرتي لا ، وعاد الأمل ، وداع ، وأخيراً ... الهدية .

       يتناول المؤلف في مجموعته مواقف منتخبة من الحياة ، فيعالجها بأسلوبه الخاص ، ومن خلال وجهة نظره ، مبرزاً الصراع الدائر ، أبداً ، بين قوى الخير وقوى الشر . كما يتحدث فيها عن بعض خصوصيات مجتمعه بصدق وأمانة ، على الرغم من أن بعض هذه الخصوصيات تبدو له مظلمة ومؤلمة .

       قرأت القصتين الأولى والثانية ، وتوقفت طويلاً عند القصة الثالثة ... " القناع " فقد أثار العنوان الذي اختاره المؤلف لها فضولي ، الأمر الذي جعلني أحاول نزعه ، لأعرف ما يخفي وراءه ، وأعدت قرءاتها أكثر من مرة ... كانت تبدو لي كقصيدة شعرية جميلة .

       يقول الكاتب ( ص16 ) "الوجه المتورد المنتفخ خلف المكتب يطاردني ... ذنبي أني أتطهر ... جئت إليه أخلع جلدي المتلون ... وألقي وجهي الممسوخ ... يتهددني بالنفي ... صرخت في وجهه ... حتى لو ذهبت إلى آخر العالم ... كفى ما فعلناه ... حرام كم ضيعت أرزاق ... " .

       ورحت أتابع الصراع الذي يجري - ربما في داخل كل فرد منا - بين الزيف والحقيقة ، وبين النفاق والصدق، وبين الوهم والواقع ، وبين ما هو كائن ،وما ينبغي أن يكون ... كنت أتابع محاولة البطل للتمرد على واقعه القذر ، وتمزيق قناعه البشع ، ونبذ النفاق والتبعية ، ومن ثم العودة إلى جادة الصواب ، واستعداده لتحمل كل التبعات ،التي تنجم عن عملية اتخاذ القرار .

       ويتابع الكاتب تصوير الموقف ، فيقول :

" عينا الوجه المتورد المرسوم على حائط حجرتي الباهت تبرقان ، ينتفخ فمه كالبركان ... كلماته النارية تحرقني ... صرخت لا بد أن أخلع جلدي المتلون ... أضرب الحائط بيدي ... الوجه المتورد الساخر ما زال مرسوماً على الحائط ... يفح في خبث ... أين تذهب مني ؟ ... أنا أعرفك جيداً ... لا تستطيع الابتعاد عني ... قلت : هذا وهم ... لا أريد أن أرى وجهك ... كفى ما فعلناه بالآخرين ... قال : الوهم ما أنت فيه ... أنا أعرفك جيداً ... أنا أجري في عروقك ... أنت تريد حقاً ... ولكنك لا تستطيع أن تنفذ ما تريد ... قلت : الأمر كله قصاصة صغيرة أخط عليها بضع كلمات وينتهي كل شيء ... وأتطهر منك .

       ابتسم الوجه المرسوم على الحائط ساخراً ... حاول ... وسترى .

       صراع واضح ... وقد حاول الكاتب أن يبرز هذا الصراع القائم دون تدخل من الخارج ، بل ترك البطل يحاور ذاته ، ويجادل نفسه ، يعبّر عن رغباتها ، ويصف نزواتها ، ثم يؤنبها ، ويحتقرها ، ويبرزها على علاتها ... تمهيداً لاتخاذ القرار .

       يتابع ...

        " تمددت على الكرسي القديم ... أغمضت عيني ، ورحت بعيداً بعيداً ... أبحث عن وجهي الذي ضاع في متاهات الظلمة ... كرهت الوجه الممسوخ ،المصفوع دائماً ... كرهت الركوع والانكسار والتمسح بكرسي العرش الذي أنظفه بلساني المشقوق كل يوم ... كرهت جمع فتات الكلمات وفتات الطعام ... أبحث عن وجهي الذي نسيته منذ زمن حتى لا يعود المر إلى فم الأولاد ..."

       ولا أراني بحاجة للتذكير هنا ، بأن الحوار الذي برع فيه الكاتب لا يهتم من الناحية الفنية بتحليل شخصية المؤلف ، وإنما المعني هنا هو شخصية البطل ... فالحوار ذاتي لكل متحاور مع نفسه، لا بالنسبة للكاتب . وإن كان هذا لا ينفي أن يكون هناك علاقة ما بين شخصية البطل وشخصية الكاتب ، لكن هذا الأمر لا يعنينا من الناحية الفنية بقليل أو كثير .

       ويعاني البطل بسبب قبوله الخنوع في سبيل لقمة عيش الأبناء ... ويظل في صراع مع نفسه ، هل يحقق للأولاد رغباتهم على حساب كرامته وعزة نفسه ؟ أم يتمرد ويرفض الهوان فيجوع الأبناء ويعانون المر ؟ إنه يرفض العيش في ظل الذل ، ولسان حاله يردد قول الشاعر :

لا تسقني ماء الحياة بذلة       بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

فهل يختار الطريق الثاني، ويستمر في ثورته ؟ أم ييئس ويستسلم فيسقط ؟

       كان هذا هو القرار :

" أنا قادم إليك يا هذا الوجه المتورد ... وأمسك الأب بالقلم وكتب ... سيدي معذرة ... " .

إن مضمون هذه العبارة يفيد - وللأسف - بأن البطل قد سقط ... وأنا لا أستطيع أن أتصور كيف رضي الكاتب لبطله هذه النهاية ؟ كيف يجعل منه بطلاً سلبياً ؟ مع أن الحوار الذي أجراه على لسانه كان يوحي بأنه سيتخذ القرار السليم ، وأنه لا شك سينتهي نهاية إيجابية .

       ويبذل الكاتب في معظم قصص مجموعته محاولة لسبر أغوار الحقيقة البشرية، منطلقاً من داخل الإنسان ليعبر عن خلجات أعماق نفسه ، وقد أصاب في محاولته بعض تلك الحقيقة إذ أن الانسان السوي لا يعترف بما ارتكب من آثام عن طريق المصارحة والحوار المباشر .

       وقد اتسم أسلوب الكاتب بالإيجاز في الحوار ، غير أنه أشار إلى البواعث التي أملت على بعض شخصياته مواقفها ، حتى ولو كانت هذه المواقف سلبية ، كما ابتعد عن النزعة الخطابية والوعظ الصريح ، واكتفى بعرض أفكاره، من خلال سمات شخصياته التي عرضها عرضاً موضوعياً في أكثر من موقف .

       وقد حاول الكاتب أن يغوص إلى أعماق النفس البشرية ، من خلال الحوار الذاتي مصوراً الطبيعة البشرية، بما تشتمل عليه من عواطف متنوعة ، وإرادة صارمة ، وتجربة عميقة شاملة .

       ومن خلال العواطف التي اشتملت عليها بعض قصص المجموعة نستطيع أن نلمس قدرة الانسان على الاحتمال والاستمرار في الرفض ، من أجل السمو بالأخلاق واتخاذها وسيلة إلى العزة والكرامة .

       وقد جاءت المضامين التي اشتملت عليها المجموعة متنوعة، لتغطي مجالات وطنية واجتماعية ، تعالج السياسة وتنتهي بالأخلاق .

       والآن  ، عودة إلى قصة القناع ، لنتدارس معاً بعض ما ورد فيها من صور غير متناسبة مع المنطق ؛ تأمل قول الكاتب : " الوجه المتورد المنتفخ القابع خلف المكتب يطاردني ... " ولاحظ أنه لم يوفق في استخدامه للفظ " المتورد " في المكان الصحيح ؛ إذ أن هذا اللفظ يتضمن معنى الجمال ، ولا يتناسب مطلقاً مع المعنى البشع الذي أراد الكاتب أن يعبّر عنه ، ولا مع الصورة التي أراد رسمها ... فلو أنه قال : " الوجه الأحمر المنتفخ ... " لكان التصوير أكثر دقة في التعبير عن المعنى المراد .

       كذلك ، فإن في قوله " ينفتح فمه كالبركان " مغالطة كبيرة ، حيث إن استخدام لفظ البركان في هذا الموقع غير مناسب ، وكان الأجدر بالكاتب أن يستخدمه في الموقع المقابل حيث الشخصية المتمردة الثائرة ... فإن لفظ البركان دائماً يتضمن معنى الثورة للتخلص من الكبت والضغوط الداخلية ... فلو أنه قال : " يفتح فمه كالثعبان " لكان التشبيه أدعى للقبول لما يتضمنه لفظ الثعبان من معاني الخداع ونفث السموم ، خصوصاً وأنه أتم عبارته بقوله : " يفح في خبث "  فالحديث إذن ينبغي أن يكون عن ثعبان وليس عن بركان .

       وفي قوله : " هذا وهم ... لا أريد أن أرى وجهك " عدم دقة في التعبير ، إذ من المفروض أن البطل قد رأى وجهه، وعرف حقيقته، بعد أن انخدع بها وقتاً طويلاً ؛ وإلا لما كان هناك مبرر لمحاولة التمرد والثورة ، التي يتحدث عنها، وكان الأصح لو قال : " لا أريد أن أراك " . حيث إن مدلول لفظ الوجه في العبارة مرتبط بمدلول لفظ القناع ، وبما أن القناع قد نزع فعلا ، فلا بدّ أن يكون الوجه قد رئي .

       ومجمل القول في مجموعة " القناع " أنها تمثل خطوة مقبولة في مجال القصة القصيرة ، وقد ترجمت عدداً من التجارب الانسانية ترجمة مرضية ، ونقدت مقاطع من حياة البشر بأسلوب لا يخلو من عمق ، كما طرحت قضايا وطنية واجتماعية وفكرية، بأسلوب لا شك بأنه سيلاقي قبولاً لدى القارئ المثقف .

       كذلك ، فإنه يمكن اعتبار إبراهيم سعفان ، كاتباً مبدعاً ؛ ذلك لأنه استطاع ، ومنذ الخطوة الأولى في ميدان القصة القصيرة أن يرصد صراعاً مريراً يدور في المجتمع الذي ينتمي إليه ، مبرزاً وجوب انتصار قوى الخير والطهر ، واندحار قوى البغي والاستغلال ، وسقوط مبدأ التبعية، وما يتمخض عنه من الإذلال ، والانهزامية ، وما يترتب عليها من سقوط .

 

الفئة: مقالات أدبية | الكاتب: محمود طافش الشقيرات E W
مشاهده: 218 | التقييم: 0 | قيّم المقالة: | عدد التعليقات : 0 | كتابة تعليق
 
الاسم *:
Email:
كود *:
Untitled 4

دخول المدراء استضافة مجانية - uCoz