New Page 3

مرحبا بكم في موقع المشرف التربوي محمود طافش الشقيرات .
 

New Page 3
 Free counters!
 
ما رأيك بالمظهر الجديد للموقع ؟
1. ممتاز
2. مقبول
3. جيد
4. جيد جدا
مجموع الردود: 22
    
 

تغريبة بني صالح

 

قراءة في المجموعة القصصية :

تغريبة بني صالح          

 تأليف : فوزي صالح ( مصر )

         

محمود طافش الشقيرات

         

     صدر حديثاً ، عن دار الغرير للطباعة والنشر في دبي ، المجموعة القصصية الأولى للكاتب الشاب فوزي صالح. تقع المجموعة في إحدى وستين صفحة من الحجم الصغير ، وتضم خمس قصص هي على التوالي : تغريبة بني صالح، زفير الدوائر الرمادية ، عفريت السيد عليبة ، من حكايات الريس حامد ، وحدث في مزرعة الثعالب .

     ولننظر في القصة الأولى ، والتي استهلها الكاتب هكذا ، قالت خالتي " تفيده " ذات يوم بأنني سأصبح شيئاً كبيراً ومهماً ... ربما " قرداتي " على باب - السيد البدوي - أو " مطاهر " على باب - الحسين - لم تتذكر أيهما بالضبط .

     هذا ما قالته له خالته تفيدة . أما أبوه فيرى له حلما ، ويكون تفسير الحلم : أن يصبح قطبا من أقطاب الصوفية . ويدور مضمون القصة حول خصوصيات قديمة جداً من خصوصيات قرية " شرشابة " فيتحدث الكاتب عنها بأسلوب ساخر مستخدماً بعض التعبيرات السريالية .

     تحت عنوان جانبي " الرؤيا " نقرأ ما يلي : " قال إني أراك تحبو فوق طريق مترب ... تبحث عن شيء ... تنبش ... تصنع حفرة بأظافرك ... يندفع منها ماء عفن الرائحة ... لكن ملابسك تظل نظيفة ... يهرب الناس ... وتبقى !! تنتزع من الحفرة شيئاً ... تأخذه بين يديك وتقهقه ... تكبر فجأة ... ترفع يدك فيندفع الماء ... يأتيك الخلق من كل صوب ... تجلس فوق سرير ذهبي ، ومن حولك فتيان كأنهم در منثور ... تنزل يدك فيندفع الماء ... ينبت زهر أبيض في رأسك ... تنطلق منه طيور خضراء ... ترفرف حول سريرك " .

     إن التعبيرات السريالية الآنفة الذكر ، التعبير بالاحلام وبالمدهش وباللغة الشاعرية ، أخذت تستهوي جيلاً جديداً من كتابنا الشباب . وهذا أمر غريب عجيب ، ففي الوقت الذي بدأت فيه بلدان أوروبية عديدة مثل فرنسا وإيطاليا تتخلى عن المدرسة السريالية التي أوجدتها فإننا نرى عددا من كتابنا يتحمسون لهذه المدرسة ، ويتعمدون احياءها والسير في ركابها ، على الرغم من أنه قد ثبت فعلاً بأنها سبيل يقود صاحبه إلى الجنون أو يؤدي به إلى الانتحار. ولست أراني بحاجة للتذكير بالمصير الذي انتهى إليه عدداً من زعماء السريالية من أمثال جاك فاشيه وجاك ديغو ودينيه كريفيل وأخيراً سلفادور دالي الذي انتهى به المطاف إلى أن يعض زواره وينبح عليهم كما تفعل الكلاب .

     إن مذهب السرياليين مرفوض لدى أمة كأمتنا العربية التي لها قضاياها الكبيرة والملحة ..... هذه الأمة التي تتطلع إلى كل أدبائها ليتحملوا مسؤولياتهم تجاه وطنهم وتجاه مجتمعاتهم وتجاه قضاياهم الحياتية الكبرى بوجه عام . وإني لا أستطيع أن أتصور كيف يمكن أن يكون هدف كاتب عربي ما هو خدمة السريالية والانشغال بشططها في الوقت الذي يرى فيه أمته ترزح تحت وطأة الاحتلال والتخلف والجهل . كذلك فإني لا أدري كيف يسمح كاتب لنفسه أن يكتب كلمة واحدة غير جادة في الوقت الذي يرى فيه أمته بحاجة إلى كل كلمة يقطر بها قلمه ... ولست أراني بحاجة إلى أن أذكر الكاتب الشاب بأن الأديب الملتزم هو المقدر لمسؤوليته إزاء قضايا الانسان والمجتمع الذي ينتمي إليه .

     وكان تفسير الحلم أن يصبح البطل قطباً من أقطاب الصوفية له جماعته ومريدوه ، فيتابع الكاتب قائلاً : "كفي المبسوطة على فخذي تسلخت ... المريدون كثيرون . والتقبيل نفحة وبركة ... ناديت : يا شيخي الذي أصبحت شيخه . ولبست عمامته ... هذا أوان العشق ... تدافعت الجموع ... واختلطت الأصوات ... " الشيخ في خلوة " شيخي الذي أصبحت شيخه حبا على ركبتيه تجاهي ... قبّل كفي المسلوخة بشوق ونهم ... قال : يا شيخي الذي كنت شيخه ... هل من بشارة ؟؟ حوقلت وبسملت وأومأت برأسي ثلاثا ... همست : يا ولدي الشيخ ... القلب عامر والعشق غالب ... والنهار قصير والعارف لا ينام ... فغر الشيخ فاه ببلاهة ... انتصب واقفا ... هلل وكبر ... صاح : يا مريدي القطب ... القطب في حلول " .

     كان هذا حديث الكاتب عن موقف من مواقف الصوفيين في قريته " شرشابة " وهو حديث كما لا يخفى لا يخلو من سخرية ... لهذا فإني أريد أن انظر إلى هذه القصة من خلال المنهج الاعتقادي ، ذلك لأني أرى أن التصوف الأصيل هو مرتبة متقدمة من مراتب الايمان وهي مرتبة الاحسان . ولن يتسع لي المجال هنا للإفاضة في الحديث حول هذا الموضوع لكنني اكتفي بذكر قول القائل :

 

                  علم التصوف علم ليس يعرفه          الا أخو فطنة في الحـق معـروف

                   وليس يعرفه من ليس يشهده         وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف

 

     وإذا كان تقادم العهد قد فتح المجال أمام كثير من البدع والخرافات لتتسلل إلى جوهر هذا العلم فإن هذا لا يبيح لأحد السخرية ، بل كان الأجدر بالكاتب أن يشير إلى الثغرات التي تسللت منها البدع ثم يطرح البديل الصالح ، والا فقد انطبق عليه قول قائلهم لذلك المتعالم الذي حاول شرح مسألة من مسائلهم فقيل له  :

 

سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرّق ومغرّبِ

 

     هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الذي يقرأ قصة " حكايات الريس حامد " وهو على علم بحياة الكاتب الشخصية يدرك بسهولة ويسر أن فوزي صالح لم يكتب قصصا فنية وإنما جمع حكايات قصيرة ، ونقلها نقلا أمينا دون تدخل يذكر ، فمكان الحكايات هو قريته " شرشابة " وقد أشار إليها صراحة ، وبطلها هو المؤلف نفسه " أبو صالح " وأما الريس حامد فهو لاشك شخصية حقيقة قد يكون أحد أقارب المؤلف أو معارفه ... وقد تكررت هذه الأسماء في معظم حكايات المجموعة ، لدرجة أنني بت أعتقد أن المؤلف قام بتسجيل الحكايات كما سمعها من فم الريس حامد ثم أعاد صياغتها صياغة جديدة بأسلوبه .

    لاشك أن الحكاية المروية عنصر مهم من عناصر القصة ، لكن الحكاية شيء والقصة الفنية شيء آخر ... إنها واقع فعلي ممزوج بشيء من ذات الأديب ومن أعماقه ... فإلى أي مدى أضاف الكاتب إلى تجربته شيئاً من ذاته ؟ وإلى أي مدى جعل المؤلف قصته انعكاسا لتجربته ؟ ثم إلى أي مدى جعل قضيته تقليداً للحياة ؟ إن الاجابة على هذه الأسئلة الثلاثة هي التي تحدد القيمة الفنية للمجموعة .

           لقد امعنت النظر في حكايات الريس حامد لعلي أجد بارقة فنية ، فلم أجد إلا حكايات خاما ولكنها على كل حال حكايات مسلية صيغت بإسلوب يستحق عن جدارة أن يكون أسلوب كاتب قاص .

     بقي هناك عدة ملاحظات : اللغة التي استعملها الكاتب لغة شاعرية اساء إلى جمالها تلك الألفاظ المسخ التي استعملها بقصد التظرف أو إضفاء صفة الواقعية على بعض تعبيراته ، وقد وردت أمثلة كثيرة لهذه الالفاظ في المجموعة أذكر منها قوله : " ليلتنا انس " و " السجائر التي كنت ادشها دش " إلى غير ذلك من التعبيرات العامية التي يرفضها النقد الجاد ، ولا يمكن أن تكون سمة من سمات الواقعية  .

    ومن حيث المضمون فإننا لا نجد حضوراً ملموساً للقضايا القومية في قصص المجموعة ، وإنما نجد ملاحظات نقدية متفرقة تدور حول قضايا اجتماعية محلية قديمة ، غير أنه من الانصاف لجهد الكاتب القول بأن عنصر التشويق كان بارزاً في أسلوبه وأن بإمكانه تسخير هذا الاسلوب الحي لكتابة قصص ذات مضامين اجتماعية نضالية تخدم الواقع العربي ، بدلا من الانصراف إلى العبثية وإلى تقليد المدارس الغربية .

    وبما أن " تغريبة بني صالح " تشكل مرحلة بداية انتاجه القصصي فإنه يمكن قبولها كخطوة أرجو أن تتبعها خطوات أكثر جدية وأكثر عمقاً وأكثر نضوجاً .

 
الفئة: مقالات أدبية | الكاتب: محمود طافش الشقيرات E W
مشاهده: 228 | التقييم: 0 | قيّم المقالة: | عدد التعليقات : 0 | كتابة تعليق
 
الاسم *:
Email:
كود *:
Untitled 4

دخول المدراء استضافة مجانية - uCoz